U3F1ZWV6ZTEwMDE1NjE4OTEyNjIyX0ZyZWU2MzE4NzE4NDY5MDc3
banner

مقالة: ماذا أنجز الأسرى بحفر نفق الحرية وقد تم اعتقالهم؟!




ماذا أنجز الأسرى بحفر نفق الحرية وقد تم اعتقالهم؟!

الحمد لله، وبعد:

فلا شكَّ أن خبر النفق الذي حفره أولئك الأسرى الستة العظماء بملعقةٍ كان من أبهج الأخبار وأشرحها للصدر، ولا شكَّ أنَّ خبر اعتقال أربعةٍ منهم إلى هذه الساعة كان من أثقل الأخبار على النفس مع أنه كان متوقعًا، والمتوقع كالواقع.

وربما تتلجلج الآن رزمةٌ من الأفكار في الصدور والأذهان: 

ما الفائدة التي حققها هؤلاء وقد تم اعتقالهم من جديد؟

وما الذي أثمروه بعد هذا الجهد الخرافي وما تنفسوا الحرية إلا أيامًا معدودات؟ 

وأين ذهبت عقولهم وهم يعلمون أن في ظهرهم سلطةً خائنة ستحرص على الإمساك بهم حرص الصهاينة أو أشد؟

وما الذي جنوه وهم يعلمون أنَّ حالهم قد يصير إلى مزيدٍ من التضييق والتعذيب والشدائد؟.

ثم ألم يعلموا أنهم -وإن لم يقدر العدو أن يمسك بهم- سيخرجون إلى جولةٍ جديدةٍ من المطاردة التي لا تختلف كثيرًا عن السجن؟.

أجيب عن ذلك في بأربعة أجوبة:

أولًا: إنَّ السعي في الافتكاك من أيدي الكفرة والمجرمين عبادةٌ محضة، وشهامةٌ يحمدون عليها، سواء تم لهم سعيهم أو لا، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فعملهم مبرور، وسعيهم مشكور، وتجارتهم مع الله لا ولن تبور.

ثانيًا: ظني بالله وفهمي (الشخصي) لفقه السنن أنَّ الإفراج عنهم بعد الذي كان منهم لن يكون بعيدًا بإذن الله؛ لأنَّ العبد إذا فعل أقصى الجهد واتخذ كل سبب.. فالرجاء في فضل الله وجوده أن ينزل عليهم عونه وفضله، وعسى ألا يكون ذلك بعيدًا.

ثالثًا: لا يخفى على الأسرى أنفسهم أن خطتهم قد تُكشف، وأن الحرية قد لا تتم لهم، وربما قتلوا أثناء الهروب، وربما قبض عليهم من العدو أو من أزلام السلطة، فإمكانيات التربص والمراقبة عند العدو عاليةٌ جدًّا.

 لكن ثمة رسالةٌ عظيمةٌ تمليها القصة النادرة؛ وهي الرفض المطلق لفكرة السجن، وعدم التعايش معه، وقد كان بعضهم في سجن شطة، وحاول الهرب قبل ذلك.

بصراحةٍ بالغةٍ: كنت كثيرًا ما أسمع من الإسلاميين بمصر أن السجن فرصةٌ للاعتكاف، ولحفظ القرآن وللخلوة بالله تعالى ومحاسبة النفس!

لكني كنت أرفض ذلك في نفسي جدًّا، وربما عددت نفسي جبانًا وضعيفًا عن تحمل مثل هذا البلاء، لكني بعد تأملٍ ونظر رأيت أن الفطرة تأبى السجن تمامًا، وأنا بحمد الله وفضله ما جربت الاعتقال يومًا، وأرجو الله ألا أجربه.

لكني أقول الآن: لئن أدور مع إخواني في الجلسات والنقاشات، ومع الأهل بالطشَّات والرحلات وألوان الترفيه عن النفس.. لهو أحبُّ إليَّ من أن أحبس يومًا واحدًا تحت سلطان ظالم مع ما يتبع ذلك السجن من حفظ القرآن والخلوة وأوراد الطاعة.

لا أرتضي أن يقبل المسلم أن ترى عينه كافرًا يذله ومنافقًا يهينه وعدوًّا يتحكم في حركته وطعامه وشرابه كما يشاء، ثم هو منسجمٌ مع ذلك؛ لأنَّ وقته لن يضيع وهو مشتغلٌ بتحصيل الفضائل!.

هذا فقهٌ لا أطيقه، وما ينبغي لذي عقلٍ أن يطيقه، فإذا جاء السجن فيرضى الإنسان بأقدار الله إلى آخر حد، وهو يعلم حكمة الله في كل قدر، وله في نبي الله يوسف عليه السلام سلوى وعظة، لكنه ينبغي أن يكون في غاية الرفض لفكرة الحبس، مع الاجتهاد بكل سبيل في افتكاك نفسه.

ولهذا لا أجد بأسًا بالدخول في عملية خطفٍ للجنود لنفتكَّ بهم أسرانا ولو دخلنا في حربٍ تَبِعَتُهَا مئات الشهـ.ـداء وآلاف البيوت التي تقصف وتدمر؛ ليعلم الأسرى أن خلفهم أمةً عظيمة لا تنساهم، وتسعى في الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني"، وليعلم العدو أن تكلفة أسره لأبطالنا عاليةٌ عالية، وأن الأمة المسلمة لا تسكت على ضيم.

رابعًا: من الحسنات التي حصلها هؤلاء، وربما لم تخطر ببالهم أنهم سيكونون عظماء عند المسلمين جميعًا، وهذا من الذكر الحسن الذي لا يقصده صاحبه؛ وذلك لأنهم ذكَّروا الناس بمأساة الأسرى، وسكبوا على الكيان الصهيـ.ـوني صهاريج العار، وأحرجوا السلطة وكل متخاذلٍ، وقهرُ الذي يقهرك وإذلالُ الذي يُذِلُّك إنجازٌ وأي إنجاز.

والآن يطيب لهم بعد الذي كان منهم أن يقبعوا في سجنهم وهم مطمئنون في أنفسهم أنهم اتخذوا الأسباب، ودافعوا الذل والضيم، وما رضوا بالسجن، فليواصلوا حفظ القرآن وأوراد البر آناء الليل وأطراف النهار وأحاديث السَّمر؛ لأن فطرتهم لم يصبها الخدش والتدجين والتبديل.

وما ذهب وقتهم سدى؛ لأنهم كانوا في عمل بر، وهو أحظى في النفس من الملل والرضى بالقهر وعدم فعل أي شيء إن كان ذلك ممكنًا.

بقي أن أشير لثلاث رسائل:

الأولى: ينبغي تفعيل قضية الأسرى إعلاميًّا واستثمار هذا الحدث، وحسن طرحه؛ لأنَّ هذه القصة تصنف في قاموس اللغة الإعلامية التي تثير التعاطف العالمي، وليس كذلك آلاف القتلى وآلاف البيوت المدمرة!.

وجزى الله قيادة المقـ.ـاومة كل خيرٍ التي عجلت بالإعلان عن شرط تصدر هؤلاء الأسرى لقوائم الأسماء في صفقة التبادل القادمة.

الثانية: لا زال تفكيك أنظمة الاستبداد جملةً ونظام السلطة دينًا في عنق كل غيورٍ قادر، ولقد كنت أشعر بالأسى وأنا أقرأ في كتابات الأمريكيين وهم يتناولون الآلية التي تمكنوا بها من تدجين منظمة التحرير لتتحول من جسمٍ مقاتلٍ للعدو إلى حارسٍ له، مع اعتمادهم لقانون جورج شولتز الذي يقضي بتحقيق الإذلال الأقصى للخصم الذي جعل من السلطة تتجاوز التوقعات في محاربة الجهـ.ـاد والمقاومـ.ـة.

لقد كان بإمكان السلطة أن تسعى في إخفاء الأسرى وتتظاهر بضد ذلك، لكنهم أشربوا الخيانة كما أشرب بنو إسرائيل عبادة العجل.

الثالثة: من حفر نفقًا بملعقةٍ يهديك درسًا تربويًّا يزلزل النفوس زلزلةً لا تقف عند حد أنَّ العمل القليل الذي يدوم أكثر من العمل الكثير الذي ينقطع، فيمكن أن تشرع في حفظٍ آيةٍ واحدة كل يوم، أو حديث أو بيت شعر، ويمكن أن تقرأ كل يوم ولو صفحة، وأن تمشي في المشروع الذي خططته لنفسك ولو خطوة؛ لأنك ستصل يومًا، وسيكرمك الله بما يمثل معجزةً بإذن الله تعالى وفضله.

إن الله لذو فضلٍ على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون

والحمد لله رب العالمين

وكتبه: محمد بن محمد الأسطل

عشية السبت، الرابع من صفر 1443 هـ، الموافق 11-9-2021م.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة